محمد باقر الملكي الميانجي
76
مناهج البيان في تفسير القرآن
- سبحانه - في كتابه : « فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ » . ( المدّثّر / 19 و 20 ) وهذه القّصة قد أيّدها وأثبتها الآيات الكريمة في سورة المدّثّر . قوله تعالى : « وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) » ؛ أي : ما تأمّلون حقّ التأمّل في آياته ، ولا تهتمّون بالتذكّر فيما يجب التذكّر فيه ، وتحرمون من أنوار القرآن . فإن قلت : فالمستفاد بناءا على ما ذكر ، أنّ المراد من « لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » هو القرآن المقروّ والمتلوّ . فما تقول في قوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » ؟ ( الواقعة / 77 - 80 ) فقد قيل : إنّ كون القرآن في كتاب مكنون كونه مجرّدا فيه بتجرّد الكتاب المكنون . قلت : كلّا ! هذا تأويل بارد لا يجوز القول به ؛ لعدم دليل عليه بحسب الكتاب والسنّة . والمراد من كون القرآن في كتاب مكنون ، كونه معلوما بالوجود العلميّ لا بالوجود العينيّ ، وأنّه معلوم بالعلم المصون المعصوم بذاته . فالقرآن مقروّ ومتلوّ سواء كان عند اللّه أو في كتاب مكنون أو في قبضة جبرئيل الأمين . وقد أشبعنا الكلام في ذلك في باب الوضوء في كتابنا بدائع الكلام عند البحث عن قوله تعالى : « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » أنّ المراد من المسّ هو المسّ الحسّيّ . فليس في القرآن الكريم إطلاق المسّ على العلم والدرك الحقيقيّ . قوله تعالى : « تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) » . أي : القرآن المقروّ والمتلوّ بعينه تنزيل من ربّ العالمين ، وبعينه يلقيه جبرئيل إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . قوله تعالى : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) » . قال الرازيّ في تفسيره 29 / 118 : قرئ : « وَلَوْ تَقَوَّلَ » على البناء للمفعول . هذا جواب قولهم : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » ( الأنعام / 25 ) وقولهم : « إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ » . ( الفرقان / 4 ) وقول الوليد : « إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ